الثلاثاء , 21 سبتمبر 2021

رندة كعدي.. ناسكة مجتهدة في محراب الفنّ

 

رنده كعدي: ” أنا ناسكة في خدمة التمثيل، أخدم ذاك المعبد وأقدّم القرابين “..

 

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

حاورتها رلى الحلو – بيروت

حديثها كحبّة سكّر تذوب مع شغفها لعالم التمثيل الذي نبت معها منذ طفولتها من على خشبة مسرح المدرسة لتدخل بمهارتها من الباب الواسع شاشة التلفاز، فتصل الى قلب المشاهد وكأنها من أهل بيته تجسّد واقعَ وصورة المرأة عبر شخصيات متعددة لا تشبه إحداها الأخرى، لتصبح الرقم الأول من هذا العام في قلب الاعلام، الذي عدّل في “مونشاته ” وحوارته، على أنها الكبيرة في أدوارها مهما اختلفت وتنوّعت حولها الآراء، إلا أنها تأتلف على شيء واحد هو المهارة التي تتوّج أداء رنده كعدي وتجلسها على عرش الوجدانية المميزة، هي أصيلة زمانها تقلب عقارب الساعة إلى معادلة الصفر، فتكون هي ابنة زمانها ومكانها ومنشأها وعالمها، وكأن في الشخصية التي تجسّدها تمتلك العصا السحرية التي تشدّ المشاهد، فتجعله يغضب معها، يفرح معها، يثور معها، يقف معها، ويؤازرها كسيدة من داخل المجتمع اللبناني وأيضاً العربي، بمعظم أدوارها التي عبّرت فيها عن المرأة الأم في كافة تقلّباتها وأحاسيسها وتضحياتها وأوجاعها، هي الفعل وردّة الفعل، هي رندة كعدي واسمها يكفينا لتتصدر مجلة “إلّا “في هذا الحوار الشيّق…

رلى..

رندة كعدي ابنة الكاتب المسرحي خليل كعدي كيف أثرّ فيك جو الوالد وكتاباته المسرحية، ومتى كانت أول تجربة تمثيلية لك؟

أول تجربة لي كانت على مسرح المدرسة، والدي خليل كعدي، كاتب يعشق المسرح ورأى أنه لديّ حشرية كبيرة عند مرافقتي له في كواليس المسرح فكتب لي سكاتش أول لارضاء فضولي وكانت الشمعة الاولى التي أضاءها لي أبي ولم أخف من الكاميرا وقتها، بل أديت السكاتش على التلفزيون عبر برنامج ماما جنان، وبعدها سكاتش آخر، لفتّتُ فيه المخرج باسم نصر، لكن أبي أصرّ أن أكتفي بهذا السكاتش، لأتابع تعليمي، وهنا كانت تجربتي الاولى في التمثيل، التجربة الاولى عندما رأيت في الضوء شمس كبيرة، وكان لا بد أن الاحق شغفي، فكان والدي يكتب لي مسرحيات أقدمها في الضيعة فانتقلنا من عين الرمانة الى ضيعتي الصغيرة في قوسايا وتكررت التجربة في المسرح الجوال مع علي الزين وكان حينها هناك حرب وعلى الرغم من ذلك التزمت بالمسرح، وحصلتُ على شهادتي الجامعية.

2017 / هو تاريخ مميز للفن اللبناني ولكِ شخصياً، إذ أنه عام الممثلة رندة كعدي بامتياز، وذلك من خلال ما قدمته في رمضان، برأيك كيف يحافظ الممثل على رونق ما يقدم؟

بالنسبة للحفاظ على الرونق هو ان تكون صلاتك صلاة مختلفة عن الانسان الذي يزور ذاك المعبد ويذهب، أنا ناسكة في خدمة التمثيل أخدم ذاك المعبد وأقدّم القرابين، وهذا حقيقة شعوري من أداء تمثيلي سواء كان على المسرح أو حتى في التلفزيون، ومهما كانت التقنيات تتغير يظلّ علينا أن نعطي كل شخصية هويتها وحقّها وتفاصيلها الدقيقة، يقولون أني دائما أؤدي دور الأم.. نعم الأم هي شريحة أساسية في المجتمع، والأمومة تولد مع الأنثى أصلاً، لكن ما يميز أم عن أخرى هو هوّيتها، عمرها، خلفيتها، ثقافتها، رؤيتها، مشاعرها، أسلوبها، تصرفاتها، سلوكها، تربيتها، وهكذا تتنوع معي أدوار الامتجاه بنيها وبناتها حسب الدور، وحسب البيئة التي يصورها المشهد من خلال المسلسل، بحرص متزامن من الشكل الخارجي بكامل التفاصيل، حتى أدقّ المشاعر والأحاسيس، وهكذا أخدت اللعبة معي ثلاثين عاما، لأوضّح أن هذه الأم بالنسبة للمتفرّج ليست مجرّد أم واحدة، فقد تبدلت المفاهيم وأصبحت أكثر واقعية وأقرب للحقيقة، وأحب أن أنوّه بأن الدور ليس بمساحته الكبيرة أو الصغيرة، وليس بكونه دور بطولي أم لا، فالدور هو الذي يملأ الشخصية، وهو الذي يعطيها قيمة حضورها الأساسي مهما كان الدور ثانويا وذلك من خلال سياق العمل.

 ما هو رصيد الفنانة الكبيرة رنده كعدي  حتى اليوم من المسلسلات والمسرحيات؟

صراحة لم يخطر بذهني أن أحصي رصيدي بكل الأعمال التلفزيونية التي عملت بها، إذ هي ما زالت تخطر على البال بقوّة، اعتباراً من طالبين القرب، الطاغية، العائدة، وجع الروح، أحلى بيوت، وغيرها الكثير، أما المسرحيات فهي 12 مسرحية.

أين تجدين اليوم الدراما اللبنانية من ناحية الانتاج بتقديرك؟

الانتاج حاليا في حالة تكاثر ومع ذلك فإنّ مكاتب الانتاج لا تتعدّى أصابع اليد الواحدة لهذا المنافسة قليلة نسبياً، فالمنتج بذلك يراهن على نجاح مسلسلاته دون مقابل، والانتاج الدرامي بالمحصلة هو صناعة، وهذه الصناعة لا شكّ عليها عرض وطلب، وتغني بالتالي المحطات بعمومها، لكن الاهتمام بوضعنا الحالي ليس على ما يرام، غذ أنّ المنتج هو ذاته التاجر، الذي يسوّق للعمل بصرف النظر عن ضرورات ومستلزمات الجودة، حيث تبقى الشخصيات هي نفسها والوجوه هي نفسها، والمنتج يضع ماله دون أيّ تشجيع من الدولة، لأنه يؤمن برسالة الدراما، سواء كانت على سبيل الترفيه، أو التوعيه، أو تقديم القصص الرومانسية، ولا ننسى أننا شعب تربى على أيام الحكواتي، وأنّنا ما زلنا في موقع الهواية، ولم نصل إلى مرحلة الاحتراف في انتاجنا على وفرته.

إلى جانب المسرح والتلفزيون أنت ممثلة سينما ما هي حصيلتك من الأفلام السينمائية حتى اليوم؟

أعمالي السينمائية خجولة، وأبرزها آخر فيلم سينما للمخرج أسد فولدكار” بالحلال”، شاركت فيه بمشهد واحد.

هل أخذت حقك من الجوائز والتكريمات؟

جائزتي الكبير هجمة النقاد والصحافيين على نوعية عملي وتقديرهم لعملي أعتبره أكبر جائزة، أيضاً ثقة المنتجين هي أكبر جائزة، وأخصّ بالذكر المنتج العزيز “مروان حداد ” صاحب – مروى غروب -، أما الجوائز الملموسة ففي2009 استلمت جائزة “الموركس ” عن دوري في “الطاغية ” لمروان نجار، ناهيك عن جائزة الزمن الجميل التي يقدمها د. هراتش منذ عامين يحرص فيها على الاستمرار والتكريس لهذا المهرجان السنوي، الذي بات ينتظره كل فنانين العالم العربي، غضف إلى جوائز عدّة من مناطق وبلدات لبنانية كثيرة.

حتما عالم التمثيل لا يخلو من المتاعب والخيبات فمن خذل رندة كعدي في هذا العالم الكثيف؟

أنا مثلي مثل شجرة الأرز، لكن طبعاً بتواضع أتحدّث هنا، إذ لا بدّ أن تأخذ وقتها كي تخرج جذورها من الأرض لتعمّر طويلاً، ولا يخفى على أحد أنّ التنوّع في الأدوار باتقان وإبداع لا مثيل له، يخلق إما محبين جداً وإما غيورين جداً، فما أكثر أعداء النجاح، وما أقل مؤيديه، وهنا تكون مرارة الخيبة، بتبدّل الملامح بين رضا واضطراب، التي تعبّر بالضيق، وتبدّل النفسيات التي تتدفق بالسواد، وتنوّع النوايا بين خير وشرّ، وأنا من فضل الربّ عليّ أنني قلما اتأثّر.

بماذا يجب أن يتميز الممثل الصاعد اليوم، كي يكون على ما أنت عليه من وصل ونجاح؟

التنوع في الأدوار والقدرة على إقناع المتلقي أمر مهم جداً بالنسبة لمسيرة الممثل، ليس لدي أدوار متشابهة، في مسلسل “العئدة ” لعبت دور إنسانة صلبة قوية خريجة من السجن، لعن الله الحرب التي خسّرتني أن ألعب دور العاشقة، وكان الدور الأول الذي لعبت فيه الدور الاول بسلسلة حلقات “أحلى بيوت راس بيروت ” للاستاذ مروان نجار.

مَنْ مِنْ كتّاب السيناريو، يتربع على العرش اليوم برأيك؟

الكتاب الموجودين كثر وخاصة من دم الشباب الجديد، لكنّ يظلّ ابني المدلل طارق سويد، الذي كتب لي دور مميز في أدهم بيك، طارق يعرف أن الشخصية التي أبنيها هي من أساس مخيلة الكاتب، كما أحبّ أن أتعاون مع الكاتب والمخرج معاً لأجسّد الشخصية بحذافيرها، فهو يعرف تماماً إلى أين يصل إحساسي في الأداء، أنا أحترم الرؤية الكليّة ولا أغرّد وحدي داخل المشهد، أحترم مروان نجار، عملت معه في “أحلى بيوت راس بيروت “، وكان لي شرف المشاركة ولو لمرة واحد مع الكبير شكري انيس فاخوري في “العائدة “، أيضاً مع كلوديا مارشليان، ومع كارين رزق الله، وهناك نادين جابر، ومنى طايع، وكلهم فيهم الخير والبركة.

أي ثمار قطفتها في كلّ من مسلسل “وين كنت “، و”أدهم بيك”، و”لآخر نفس “؟

عن الثمار التي جنيتها في ذاك السباق الرمضاني هو كما ذكرتْ أعلاه التفات النقّاد الصحافيين والاعلاميين، إلى تجربتي حيث انتبهوا إلى نوعية العمل والأداء، وهذا جنيته بفخر واعتزاز وثقةِ المنتجين، وبعد كل هذا النجاح فإن الأدوار الثانوية هي الكنز المخفي، وأنا تعاونت أيضاً مع الاستاذ مروان حداد، للمرة الرابعة دراميا وأعطاني أدوار رئيسية، علما أن بداياتي المسرحية في أخ يا بلدنا كانت من انتاج مروى غروب… اعتقد عندما يشعر المنتجين بأهمية الأدوار الثانوية، فإنه هذا هو الربح الحقيقي للمشاهدين المتلقين، والنقاد، وقد أثنى على نوعية أدائي وهذا فخر كبير والجائزة الكبرى أنني بدأت أرضى على أدائي.

ما رأيك في الدراما اللبنانية التي تتشارك اليوم مع الدراما العربية الموحدة بين مصرية وسورية؟

أنا خضت هذه التجربة وشاركت بعمل واحد مشترك هو “روبي ” من تأليف وكتابة كلوديا مارشليان.

 

هل تؤدي وزارة الثقافة دورها تجاه كبار الفنانين وما رأيك في دور نقابتكم؟

الوزارة تعتبرنا هواة وطالما الدولة لاتسعى للإنتاج فنحن لسنا صناعة، وليس علينا عرض وطلب، والنقابة مسكينة لأن النقابات منقسمة منذ أيام الحرب الأهلية وهذا أمر مخزي دون ريب.

الاعلام اليوم برأيك هل ينصف كبار الفنانين؟

سبق وجاوبت بأنّ الاعلام هذا العام كان له الدور الأساس في إلقاء الضوء،على مسيرتي ولا بدّ هنا أن أشكرهم جميعا.

من هو صديق رندة كعدي من الممثلين؟

أنا أحبّ كل زملائي وجميعهم لعبوا دوراً هاماً في حياتي، وكنت بالنسبة لهم أمّا حقيقية، بوجود أمهم و زوجتاهم أما صديقي الحقيقي الذي أتبادل معه الزيارات ونقوم بواجب الفرح أو التعزية هو الاستاذ الكبير عصام الاشقر، بحكم أنه تربطني به صداقة كبيرة منذ أيام الجامعة، كان أكثر من مجرّد خريج ووقف بجانبي وقفة الأخ تماماً، وصديقي أيضا وأخي هو الاستاذ غسان اسطفان، وحبيب قلبي ابن ضيعتي وقرابتي يوسف حداد.

أي عمل اإساني تتطّلعين إليه اليوم لإحداث نقطة تحوّل في المجتمع اللبناني خصوصاً والعربي عموماً؟

أنا مع الثقافة، نحن مجتمع يدّعي الثقافة، نحن شعب متعلّم، والبعض مثقف لا نستطيع القيام بأي عمل ما إذا لم يكن هناك وعي وتقبل الاخر وطالما بقينا متحجّرين لا شيء يتغيّر في هذا المجتمع المسكين.

كلمة اخيرة؟

اشكر مجلّة – إلا – على هذا اللقاء والاسئلة المرنة وأتمنى أن نقدّر الفن بعمق أكبر، وهو الباقي على حد قول الرحابنة وأن نترك إرثاً فنياً من رسم وفن ونحت وشعر ودراما وغناء وقصص، أتمنى أن يعود لبنان إلى ازدهاره الفكري ليبقى راثعاً ولا يضيع مع فقاقيع الهواء، وأن يعمّ السلام في العقول والقلوب وأن تسود المحبّة والتسامح فيكفينا كل هذا الصراع على اللاشيء وشكرا.

 

خاصّ – إلّا –