“المروج ” نافذة لبنانيّة على الفردوس.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

هناك رحلاتٌ لا تُقاس بالمسار ولا بعدد المحطات، بل بمدى ما تتركه في الروح من أثر. وفي يومنا الامس، حين حللنا ضيوفاً على بلدة زميلنا “فادي داغر ” في “المروج ” البلدة الهادئة الوادعة النظيفة المُنظّمة في عمرانها وترتيبها واشجار التفاح

التي تنتشر في ارجاء البلدة كانتشار العطر في الأثير فمنذ ولجنا المروج وأشجار التفاح تستقبلنا عند كل عتبة ومفرق وشارع ومنعطف، وجميع الأيدي تطالها بلا عناء، لم نكن في المروج نعلم أننا نسير نحو تجربةٍ تُعيد للزيارة معناها الأصيل الذي كدنا ننساه في زحمة الأيام، والضغوط المتعدّدة، وخاصّة أنني لطالما مررت عند “ضهر البيدر ” ولفتتني لافتة بسيطة يكتب عليها “المروج ” اللوحة المزروعة على كتف جبل صغير أجرد لا زرع فيه ولا ضرع وكنت أخال ان المروج منطقة قاحلة فيها خيمتين وبورة نائية لا أكثر.. وإذا بها وبمرتفعاتها ومطلاتها الساحرة نافذة على الفردوس بكل معنى الكلمة.. يستحق كل سائح إلى لبنان أن يتعرّفها عن كثب وتفرّس، حيث في مجمل مناطقها التي لا تعرف الروتين او التكرار في المشهد العام، بل التنوّع بأدقّ التفاصيل.

تنقلنا مع قائد الجولات البارحة الزميل فادي داغر ابتداءاً من دار البلدية التي حرص رئيسها على الظهور أمام وفد الإعلاميين كما في احتفالية الجيش اللبناني الاصيل لاحقاً، بمظهر الخطيب والمُتحدّث والمُفوّه والحاضر بثقة وثبات وتفوّق لا يشقّ له غبار، إلا أنّ الاعلاميّة النشيطة المتمكّنة هلا مراد لم تتردّد في شقّ المشهد بتسجيل ملاحظاتها الدقيقة على مرأى ومسمع الحضور مجتمعين، وعدسات المصورين توثّق المداخلة الحاسمة الجريئة والضرورية التي كان لا بدّ منها ولم تكن تلك المداخلة لتكون من غير هلا مراد حتماً، حين طلبَ الهدوء بصرامة من الوفد الاعلامي الذي لم يتسع له مبنى البلدية بل أحاله إلى مطعم بديل لم يتوفّر فيه اي عضو من أعضاء البلدية لأي احتفاء او استقبال او اهتمام بالوفد الزائر بل على العكس تماما، وقتها راعها هلا النبرة التي توجّه بها فجاوبت عاتبة عتبها اللطيف كان الاجدى وجود مايكرفون لنسمع جميعا ما تتفضل به فنصمت حتماً دون ان تطلب منا السكوت والصمت والاستماع القسري.

ثم انتقلنا إلى الكنيسة التي تضمّ تفاصيل حكاية القديسة “مارتقلا ” ومراحل تنقلها بين “معلولا ” ودمشق ولبنان، والتي رواها على مسامعنا بأسلوب مشوّق وجليل الزميل فادي داغر ابن المروج البار وابن البيت الأصيل العامر بحب “أم ” أشبه بزنبقة يفوح عطر محبتها في كل ركن فيه،

حين تشاركنا الطاولة والقهوة والغناء والمرح والتفاصيل، وكان ذلك في ختام المطاف في المروج أالذي انتهى داخل بيت أهل فادي واخواته الحانيات الودودات اللواتي يرين في فادي الضوء المُبهر والحضور الساطع لطيبته ونبله، وهو ابن المرأة الشابة التي لم تقهرها السنوات ولم تفقدها حيويتها ورشاقتها ولهفتها التي استقبلتنا بابتسامةٍ تتسع بعرض سماء المروج، وبشاشةٍ تشيع في القلب سكينةً فورية، كأن كلاً منا كان ابن هذا البيت أو بعضاً منه.. ومن حولها بناتها الثلاث، اللواتي غمرن الجميع بأريجٍ من الذوق الرفيع واللطف الفطري الذي لا تُصنّع فيه ولا تكلف ولا ادّعاء، ولولا اتساع أفئدة الجميع لما استطاعت حديقة المنزل الغنّاء أن تستقبل أكثر من عشرين قادم وقادمة بتلك الأريحيّة، فهذا أمر يتجاوز واجب الاستقبال و اللياقة، والكرم الحقيقي ليس فيما تُقدمه الأيادي التي حملت فناجين القهوة المليئة بالحب والنكهة المميّزة، بل فيما تفيض به القلوب. وزميلنا العزيز فادي داغر لم يأخذنا اليوم في جولة داخل جغرافية بلدته فحسب، بل أخذنا إلى عمق بيئته الأخلاقية، وعرّفنا على النبع الذي اغترف منه هذا النبل، وقد كان لنا محطة أخرى في بيت عمته التي بدورها أيضا قدّمت نتاج يديها مما لذّ وطاب من الحلوى التي تصنعها للضيوف كما للتصدير بحب وكرم واتقان فائق. وكان مفاجأة اللقاء ظهور الفنانة المحبوبة جدا عايدة ابو جوده، الغائبة عن المشهد الفني طوعاً منها، فعبّر الجميع عن بهجته بلقائها وبادلت المحبة بالمحبة مع الكل بالضحكة الحلوة والكلمة الاحلى ورضت الجميع بالتصوير الفردي كل على حده.

ثم كان لنا محطة جليلة مع محور الرحلة مناسبة تكريم شهداء الجيش الحبيب الذي حضر لأجل تلك المناسبة ممثل قائد الجيش والوزير ملحم رياشي والوزير إلياس أبو صعب والذي كان لي شرف إلقاء التحية عليه وهو على تماس من نقطة ارتيادي الاحتفال ولحظة مغادرته المناسبة التي تمّ فيها إطلاق اسم شارع في البلدة باسم الشهيد “مارون شاكر داغر ” واحد من شهداء الجيش الذي قضى باسم الواجب الوطني اللبناني،

ولم يتردد الوزير بوصعب برد فوري للتحية بل توقف للحظات ادركتُ فيها كم يتمتع هذا الرجل من الرقي والتواضع والنبل والاخلاق، هذا الوزير الذي لم يصطحب من المرافقين اكثر من مرافق واحد فقط، ولم يكن معه وهو يغادر اكثر من سيارة واحدة لاغير أقلّته حين ترك المكان.

بينما في دمشق لكل وزير اليوم اضعاف مضاعفه عن وزراء الامس من المواكب التي تزيد ارتال السيارات فيها لكل وزير عن ٣٠ سيارة يتحرك على الأرض في دمشق من مكان إلى آخر، دون إتاحة اية فرصة لتحية تلقى على وزير هنا او وزير هناك، ولا اخفي ان المفارقة التي جعلني فيها بوصعب بدماثته وتواضعه الجميل أن أخوضها تركت حتى هذا الصباح غصة في قلبي أشبه بطعنة، فمتى ستعود سوريا إلى صفائها ووداعتها بعيداً عن تلك المظاهر المقيتة التي تفرضها المفارقات في المراسم المُشددة والمُدجّجة بالاستعراضات المألوفة جيدا منذ خمسة عقود ونيّف تحديداً؟؟؟!

لا اعلم كيف سرقتني دمشق ومظاهرها الرسمية اليوم من المروج، وكي لا ابتعد اكثر اعود إلى المروج ونسيمها الساحر النقي الذي لا يحمل تلوّث المدينة في بيروت، والى أحيائها الهادئة الأنيقة المرصعة باللون الأخضر في كل مكان حيث الشجر والزهور بكل انواعها تزيّن كل هضبة وتلّة ومنحدر، ومعظم البناء فيها من الحجر المنحوت بفن وإخلاص لهذه البلدة التي تحمل من المدنيّة كل تقدّم وزهو وجمال، لم يترك للريف إلا طيبته ووداعته ومشاعره الصافية.

الحديث عن المروج يمكن ان يمتد ويطول، ولكن لابد من ختام، ومسك الختام شكراً كبيرة لزميلنا الذي أهدانا يوماً لا يُنسى في معلم سياحي رائع من معالم لبنان التي لا تُحصى، و سيبقى هذا البيت بيت فادي داغر وناسه الطيب،

في ذاكرتنا دائماً بوصلةً للأصالة، وشهادةً على أن الدفء الإنساني والبيت اللبناني رغم كل المِحَن التي تعصف بلبنان… لا يزال بفضل الله.. بخير.
خاص – إلّا
Share this content:



إرسال التعليق