الجمعة , 3 يوليو 2020

مفارقات

غادا فؤاد السمّان / شاعرة وكاتبة سورية – بيروت

نجح الغرب حيث فشلنا نحن تماما، ففي فرنسا مثلا تجد “الذوّاقة” هم أصحاب القرار النهائي دائما، ولا أبالغ على الإطلاق لو جزمت انه لا منازع لقرار الذوّاقة فعليّاٌ وعمليّاّ فالنبيذ الفرنسي ذائع الصيت في كل أنحاء العالم يحضر فوق الموائد الملوكية والرئاسية والوجاهية وولائم المليارديرات في المناسبات الخاصّة التي تتيح لهم أن يفاخروا بالحصول على هذه الزجاجة أو تلك وخاصّة المعتّقة منها، كذلك الأمر مع مصانع العطور وكل رائحة يُقَرّ بتصنيعها بعد العرض على مجموعة متفرغة تتمتّع برهافة الشعور، وذائقة عالية في حاسّة الشم للبتّ في أمر منتج دون آخر لهذا احتلّت العطور الفرنسية المرتبة الاولى في سمعتها وسعة انتشارها التي تغطي أكبر رقعة لأغنى الأثرياء في العالم الذين يملكون إمكانية الحصول عليها، نظرا لأسعارها الباهظة قياسا لغيرها من العطور، وسويسرا لم تعتمد على مهارة الصناعيين في إنتاج الساعات الفاخرة ولم تعتمد فقط على معدن الذهب ولا أحجار الماس لتتميز ساعاتها وتحمل تواقيعها المميزة بل اعتمدت على أصحاب الذوق الأنيق والإحساس الراقي لتعطي تصاميمها عراقة وأصالة وثقة معتمدة في جميع أنحاء العالم، أيضاً في بلجيكا لم يحتل الكريستال المكانة اللائقة كونه الحجر اللافت والمتألق فقط بل لأن الذواقه كان لهم دوراً كبيراً في جمالية التصميم ودقة التنفيذ، الأجبان الهولندية لا تقلّ شأناً لدى الإداريين بالإعتماد على ذائقة الذوّاقة اعتماد كليّ وهم من يحرر الإيعاز بالمتابعة والتطبيق أو إتلاف المنتج، في اليابان يتمّ استقطاب جميع الكفاءات الشابّة بإتاحة الفرصة للإصغاء جيداً لكل ما لديها من تطلعات ورؤى وأحلام ومقترحات وتدخل جميعها حيّز التنفيذ مجرد تمّ الإفصاح عنها، في أميركا الإعلام أولاً لهذا تمتلك الولايات المتحدة الأميركية ما لا يقل عن 35 محطة عرض تلفزيوني دائمة البث 24/ 24 ونجاح المحطة في اختيار العاملين على الشاشة لا يعرف الواسطة ولا يعترف بشكل لا يمتلك مضمونا مميزا فعلاً،

الأمثلة التي يمكن إدراجها في هذا الصدد أوسع من أن تّحصر في مقال أو غيره، لكن يكفي أن نضع هذه الفلاشات المضيئة للمقارنة بين عالمنا وعالمهم للوقوف على أسباب نجاحهم وأسباب فشلنا، فالمتعارف عليه والشائع جداً وخاصّة في المراكز المتقدمة في مؤسسات الدولة ووزاراتها في بلادنا فإن المتعلم لا يعمل في مجال اختصاصه إلا فيما ندر تماماً، والأولوية لا تعتمد على الإطلاق على السيرة الذاتية من أخلاقيات ومسموعيات ومثيلهما، بل يكفي أن يكون ثمة دعم حقيقي لأي شخص كان، وقتها تفتح له جميع الأقفال وجميع أبوابها، مهما كان هذا المحظي مقفول وملعون ومزوّر، يكفي أن تكفله واسطه ما فيصبح كل ما عداها ثانوياً تماماً، وفي حال انعدام الواسطة تلعب “الفهولوه” و “التشاطر ” و “النفاق ” و “الخبثنة ” و “تغييب الذمّة ” و “موت الضمير ” كل هذه الامتيازات تلعب دوراً كبيراً في توفير الحظ لمسؤول دون آخر، وكل هؤلاء لا يعرفون مفهوم التدرّج الوظيفي ومنطق تسلسل الرتبة والراتب، بل ثمّة من يمهد لهم الطريق لحرق المراحل، ولطش الفرص، وتبوّأ الدرجات الوظيفية العالية بل الممتازة دون أدنى رقابة ودون أيّة متابعة أو حرص أو تفتيش، فالجميع في بلادنا متواطىء فالمصالح متبادلة بين الصفوف الأولى قالأدنى والأدنى وصولاً إلى لقمة المواطن، ودائماً أصحاب المواهب والكفاءات والذوق والخصوصية والثقافة مهمشين كلّياً بل أكثر من ذلك هم مستبعدين ومنبوذين ومهملين جملة وتفصيلاً، لهذا القطاع العام في بلادنا فشل فشلاً ذريعاً لأنّ المسؤول في مؤسسات ودوائر الدولة عينه على الكرسي الذي يستميت لأجله و “مؤخرته ” على المكان عمله أياً كان طبيعته لأنه في جميع الأحوال غير معني إلا في مكتبه الشخصي واحتفاء يومي به من قبل جوقة المنافقين حوله، في حال استطاع القطاع الخاصّ في عالمنا العربي أن يثبت أنه أكثر مهارة وأكثر وثوقية وإخلاصاً وتفانٍ واجتهادات لإنجاح العمل بشتى الوسائل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*